ابن الجوزي
374
كتاب ذم الهوى
قال : ثم نزلنا بالياسريّة وبينها وبين بغداد قريب ، في بساتين متصلة ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد . فلما كان قرب الصباح إذا أنا بالسوداء قد أتتني مذعورة . فقلت : مالك ؟ قالت : إنّ سيدتي ليست حاضرة . فقلت : وأين هي ؟ قالت : واللّه ما أدري . قال : فلم أحس لها أثرا بعد . ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها ، وانصرفت إليه فأخبرته الخبر ، فعظم ذلك عليه واغتمّ له . ثم ما زال ذاكرا لها ، واجما عليها . أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن التّنوخي ، عن أبيه ، قال : حدثني أبو الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن النّرسي ، قال : كنت جالسا بحضرة أبي وأنا حدث ، وعنده جماعة ، فحدّثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة . وكان ممن حضر صديق لأبي ، فسمعته يحدّث أبي ، قال : حضرت عند صديق لي من التجار ، كان يجزر « 1 » بمئة ألف دينار في دعوة ، وكان حسن المروءة ، فقدم مائدته ، وقدم عليها ديكبريكة فلم يأكل منها ، فامتنعنا ، فقال : كلوا فإني أتأذّى بأكل هذا اللون . فقلنا : فنساعدك على تركه . فقال : بل أساعدكم على الأكل . واحتمل الأذى فأكل . فلما أراد غسل يده أطال . فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة . فقلت : يا هذا أوسوست ؟ فقال : هذه الأذية التي فرقت منها . قلت : وما سببها ؟ فامتنع من ذكرها ، فألححت عليه ، فقال : مات أبي وسني عشرون سنة ، وخلّف لي نعمة صغيرة ، ورأس مال ومتاعا في دكانه وكان دكاننا في الكرخ . فقال لي لما حضرته الوفاة : يا بنيّ إنه لا وارث لي غيرك ، ولا دين عليّ ولا مظلمة ، فإذا أنا متّ فأحسن جهازي ، وتصدّق عليّ بكذا وكذا ، وأخرج عني حجة بكذا . وبارك اللّه لك في الباقي ، ولكن احفظ وصيتي ،
--> ( 1 ) أي : يذبح .